ما هو العلاج الوجودي؟

قد يواجه الإنسان، على مدار حياته، من حين لآخر، أسئلة وجودية أساسية مثل البحث عن المعنى، والغموض، والوحدة، والحرية، والمسؤولية، والغرض من الحياة. قد تدفع التغيرات في الحياة المهنية، والعلاقات الأسرية، والخسائر، والأمراض، والتقاعد، وإنجاب الأطفال، والطلاق، أو الأحداث غير المتوقعة في الحياة، الشخص إلى إعادة تقييم نفسه وحياته. التساؤلات التي تراود المرء خلال هذه المراحل لا تشير دائمًا إلى وجود مرض نفسي. ومع ذلك، فإن استمرار حالة عدم اليقين لفترة طويلة، أو انخفاض الرضا عن الحياة، أو التعرض لضغوط نفسية شديدة، قد يستدعي الحاجة إلى الحصول على دعم متخصص.

الإطار الأساسي لنهج العلاج الوجودي

يعد هذا النهج من نُهج العلاج النفسي التي تركز على فهم الموضوعات الوجودية الأساسية التي تشكل حياة الإنسان. ويستند هذا النهج إلى فكرة أن الخيارات والعلاقات والمسؤوليات التي يواجهها الإنسان طوال حياته، بالإضافة إلى المعنى الذي يضفيه على أحداث الحياة، يمكن أن تؤثر على صحته النفسية. ولهذا السبب، لا يقتصر تقييم عملية العلاج على المشكلة نفسها فحسب، بل يشمل أيضًا كيفية تجربة الفرد لتلك المشكلة وكيفية تفسيره لها.

في العلاج الوجودي، لا يتخذ المعالج دور الخبير الذي يقدم حلولاً جاهزة للمستشير، بل يتخذ دور المرشد المهني الذي يرافق الشخص في اكتشاف حياته. والهدف هو المساهمة في تمكين الفرد من إدراك نقاط القوة في حياته، وإعادة تقييم قيمه الخاصة، والقدرة على اتخاذ خيارات أكثر وعيًا فيما يتعلق بحياته.

وتتمثل الموضوعات التي تشكل أساس هذا النهج فيما يلي:

  • معنى الحياة وهدفها
  • الحرية والقدرة على الاختيار
  • تحمل المسؤولية
  • التعامل مع عدم اليقين
  • الوحدة وإقامة العلاقات
  • القدرة على تقبل محدودية الحياة

تتيح هذه المفاهيم تقييم الصعوبات التي نواجهها في الحياة اليومية ليس من خلال الأعراض فحسب، بل في إطار تجربة الفرد الحياتية وقيمه الشخصية. وبذلك، يمكن للفرد أن ينظر إلى الأحداث التي يمر بها من زوايا مختلفة، ويحظى بفرصة لتنمية وعي أقوى بحياته.

مشاكل الحياة التي يمكن معالجتها في العلاج الوجودي

العلاج الوجودي ليس نهجًا نفسيًا يركز فقط على تشخيص معين. فالتساؤلات وحالات عدم اليقين وفترات التغيير التي يمكن مواجهتها في سياق المسار الطبيعي للحياة يمكن أن تكون أيضًا موضوعًا لعملية العلاج. والهدف من ذلك ليس إزالة الصعوبات التي يواجهها الفرد بقدر ما هو دعمه لفهم علاقته بهذه التجارب وتطوير نظرة أكثر وعيًا لحياته.

في يومنا هذا، قد يشعر الكثير من الناس بالحاجة إلى إعادة تعريف أنفسهم في أعقاب أحداث حياتية مهمة مثل تغيير المسار المهني، أو التحولات في الحياة الأسرية، أو الأمراض المزمنة، أو الأبوة والأمومة، أو التقاعد، أو الهجرة، أو الفقدان، أو الانفصال. قد يؤثر عدم اليقين والبحث عن المعنى اللذان يظهران خلال هذه المراحل على الرفاهية النفسية للفرد. تقدم العلاج الوجودي إطارًا لفهم علاقة هذه التجارب الحياتية بقيم الشخص وأهدافه في الحياة.

قد تختلف الموضوعات التي يمكن تناولها خلال عملية العلاج وفقًا لاحتياجات الفرد. على سبيل المثال، يمكن تقييم التساؤلات المتعلقة بالهدف من الحياة، والبحث عن الهوية، والخسائر المهمة، والقرارات المتعلقة بالمهنة أو العلاقات، والشعور بالوحدة، أو عدم اليقين بشأن المستقبل، من منظور وجودي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن التخطيط لهذا النهج كعلاج نفسي داعم لطرق العلاج الأخرى للأفراد الذين يعانون من اضطرابات القلق، أو اضطراب الوسواس القهري، أو بعض اضطرابات الشخصية، وذلك عندما يُرى ذلك مناسبًا بناءً على نتائج التقييم النفسي.

في إطار العلاج الوجودي، غالبًا ما يتم تناول المواضيع الحياتية التالية:

  • التساؤل عن معنى الحياة
  • الهوية وإدراك الذات
  • التوازن بين الحرية والمسؤولية
  • أوجه عدم اليقين المتعلقة بالمستقبل
  • الوحدة والشعور بالانتماء
  • عمليات الفقدان والحزن
  • مراحل الحياة والقرارات المهمة
  • بناء الحياة وفقًا للقيم

نظرًا لاختلاف قصة حياة كل فرد وتجاربه وأولوياته، يتم تصميم عملية العلاج بشكل خاص لكل شخص. وبدلاً من تقديم حلول جاهزة، يتم دعم الفرد لتنمية وعيه بحياته الخاصة وتقييم قراراته بطريقة واعية.

ما هو المسار الذي يتم اتباعه في عملية العلاج الوجودي؟

العلاج الوجودي ليس أسلوبًا علاجيًا يطبق خطوات محددة بطريقة آلية. بل يتشكل المسار مع الأخذ في الاعتبار قصة حياة المستشير، وسبب لجوئه إلى العلاج، وقيمه الشخصية، وعلاقاته، وتجاربه الحياتية. ولهذا السبب، فإن مسار العلاج لكل فرد فريد من نوعه، وقد يختلف محتوى الجلسات حتى بين شخصين يحملان نفس التشخيص.

في الجلسات الأولى، يقوم المعالج بتقييم سبب لجوء المستشير إلى العلاج، ونقاط التحول المهمة في حياته، والصعوبات الحالية التي يواجهها، وتوقعاته من العلاج. بعد ذلك، يتم العمل على كيفية تفسير الفرد لحياته، وكيفية استجابته للأحداث التي يواجهها، ووجهة نظره تجاه المستقبل. والهدف ليس مجرد أن يروي الفرد المشاكل التي يواجهها، بل أن يكتشف أيضًا مكانة هذه المشاكل في حياته والمعنى الذي تحمله بالنسبة له.

خلال عملية العلاج، لا يتبنى المعالج دور الخبير الذي يقدم حلولاً جاهزة للمستشير، بل يتعامل معه كمرشد محترف يرافقه في رحلة الاكتشاف. ويتم دعم المستشير ليتمكن من إيجاد إجاباته بنفسه، وتقييم خياراته في الحياة، وإدراك نقاط قوته. لا يهدف هذا النهج إلى تغيير الظروف الخارجية للفرد تمامًا، بل إلى تطوير منظوره تجاه التجارب التي يمر بها.

يمكن العمل خلال عملية العلاج على المجالات التالية:

  • تقييم المعنى الذي تولده أحداث الحياة لدى الشخص
  • إدراك العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوكيات
  • إعادة النظر في أهداف الحياة
  • تعزيز مهارات التعامل مع عدم اليقين
  • دعم اتخاذ قرارات تتوافق مع القيم الشخصية
  • تقييم العوامل التي تؤثر على الرضا عن الحياة

يتم تحديد مدة العلاج الوجودي وتواتر الجلسات وخطة الجلسات وفقًا لاحتياجات المستشير وأهداف العلاج وتقييم الخبير. ويمكن التخطيط له جنبًا إلى جنب مع مناهج العلاج النفسي المختلفة أو طرق العلاج النفسي عند الضرورة.

ما هي أهداف العلاج الوجودي؟

الهدف الأساسي للعلاج الوجودي هو المساهمة في تمكين الفرد من تقييم الصعوبات في حياته من منظور مختلف، وتطوير وعي أقوى بحياته. لا يهدف هذا النهج إلى تخفيف الأعراض الحالية فحسب، بل يولي أهمية أيضًا لفهم القيم والاختيارات والعلاقات التي توجه حياة الشخص.

يتم خلال عملية العلاج دعم الفرد ليتمكن من تحمل المسؤولية عن حياته، وإدراك نقاط قوته، والتعامل بشكل أكثر صحة مع أوجه عدم اليقين في حياته. وبذلك، يُهدف إلى تمكين الفرد من تقييم حياته بشكل شامل، بدلاً من التركيز على مشاكله فقط.

في إطار هذا النهج، يمكن العمل على الأهداف التالية:

  • تنمية الوعي بمعنى الحياة
  • تحديد القيم الشخصية بشكل أوضح
  • تعزيز عمليات اتخاذ القرار
  • دعم المرونة النفسية في مواجهة عدم اليقين
  • تنمية مهارة تحمل المسؤولية
  • زيادة الوعي بالذات
  • تحديد الأهداف التي تدعم الرضا عن الحياة
  • المساهمة في بناء علاقات أكثر صحة وعمقًا

هذه الأهداف تختلف من شخص لآخر. ففي أثناء عملية العلاج، يتم تحديد الأولويات وفقًا لاحتياجات المستشير وظروفه الحياتية وتوقعاته. وبذلك يصبح العلاج عملية فردية تتطور بشكل يتناسب مع قصة حياة الشخص.

كيف تختلف العلاج الوجودي عن مناهج العلاج النفسي الأخرى؟

يوجد في مجال العلاج النفسي العديد من المناهج التي تستند إلى أسس نظرية مختلفة. وقد تختلف طريقة عمل كل منهج ونقطة تركيزه والتقنيات التي يستخدمها. ويتميز العلاج الوجودي عن المدارس العلاجية النفسية الأخرى بتركيزه على المعنى الذي يضفيه الإنسان على حياته.

في هذا النهج، لا يقتصر التركيز على تخفيف الأعراض فحسب، بل يمتد ليشمل كيفية تجربة الفرد لحياته، وكيفية تقييمه لخياراته الحياتية، وكيفية تفسيره للصعوبات التي يواجهها. وخلال عملية العلاج، يمكن تناول الموضوعات الوجودية الأساسية في حياة الشخص، مثل الحرية والمسؤولية والغموض والوحدة ومعنى الحياة. على سبيل المثال، تركز العلاج السلوكي المعرفي على تحديد أنماط التفكير والسلوك غير الفعالة وإعادة هيكلتها. أما العلاج الوجودي، فيقدم نهجًا أكثر تركيزًا على الاستكشاف يهدف إلى مساعدة الفرد على فهم القيم الأساسية في حياته، وخياراته، وتجاربه الحياتية. ولا يجب أن يكون هذان النهجان بديلين عن بعضهما البعض. بل يمكن تخطيطهما بحيث يكمل كل منهما الآخر وفقًا لتقييم أخصائي الطب النفسي والمعالج، وبناءً على الاحتياجات السريرية.

عند تحديد طريقة العلاج النفسي المناسبة، يجب النظر بشكل متكامل إلى سبب اللجوء إلى العلاج، والأعراض النفسية، والاحتياجات الشخصية، وأهداف العلاج، والتقييم السريري. وبذلك يمكن وضع خطة العلاج الأنسب للفرد.

لمن يمكن تقييم العلاج الوجودي؟

يُعد العلاج الوجودي أحد مناهج العلاج النفسي التي يمكن تقييمها للأفراد الذين يتساءلون عن معنى الحياة، أو الذين يسعون إلى التكيف بعد أحداث حياتية مهمة، أو الذين يرغبون في التعرف على أنفسهم عن كثب. وهي لا تستهدف فئة عمرية معينة، أو مرحلة معينة من الحياة، أو تشخيصًا نفسيًا واحدًا فقط. ويتم تحديد مدى ملاءمة العلاج وفقًا لسبب طلب المساعدة، وتوقعات الفرد، وتقييم الخبير.

قد تدفع التغيرات التي يواجهها الفرد في مراحل الحياة المختلفة إلى إعادة تقييم نفسه وعلاقاته وأهدافه المستقبلية. قد يشعر الأفراد أحيانًا بعدم اليقين بعد بدء الدراسة الجامعية، أو اختيار المهنة، أو الزواج، أو الأبوة والأمومة، أو التقاعد، أو الإصابة بأمراض مزمنة، أو التعرض لخسائر كبيرة، أو أحداث حياتية غير متوقعة. تقدم العلاج الوجودي إطارًا لفهم الآثار النفسية لهذه العمليات على الفرد.

يمكن التخطيط للعلاج الوجودي في الحالات التالية بعد تقييم من قبل طبيب نفسي أو أخصائي علم النفس السريري:

  • الأشخاص الذين يمرون بتساؤلات مكثفة حول هدف الحياة ومعناها
  • الأفراد الذين يعانون من التردد بشأن تطور هويتهم أو اتجاه حياتهم
  • الأشخاص الذين يحاولون التغلب على الفقدان أو الحزن أو التغيرات الهامة في الحياة
  • الأفراد الذين يرغبون في فهم علاقاتهم والرابطة التي يقيمونها مع أنفسهم بشكل أفضل
  • الأشخاص الذين يبحثون عن الدعم للتعامل مع الشعور بعدم اليقين والمسؤولية
  • الأفراد الراغبون في تنمية وعيهم الذاتي

لا تُطبق العلاج الوجودي بنفس الأهداف للجميع. ففي عملية العلاج، يتم وضع خطة مخصصة لكل فرد مع مراعاة توقعاته وظروفه الحياتية واحتياجاته النفسية. كما يمكن التخطيط لاستخدام أساليب علاج نفسي مختلفة جنبًا إلى جنب عند الضرورة.

أهمية العلاقة بين المعالج والمستشير في العلاج الوجودي

تعد العلاقة العلاجية القائمة على الثقة بين المعالج والمستشير أحد العناصر الأساسية للعلاج الوجودي. ولكي تسير عملية العلاج بشكل سليم، من المهم تهيئة بيئة آمنة تسمح للمتلقي بالتعبير عن نفسه دون التعرض للحكم عليه. ولهذا السبب، يتبنى المعالج نهجًا مهنيًّا يسعى من خلاله إلى فهم تجربة حياة المتلقي، وإظهار التعاطف معه، والعمل وفقًا للمبادئ الأخلاقية.

في النهج الوجودي، لا يكون المعالج هو الشخص الذي يتخذ القرارات نيابة عن المستشير أو يوجه مسار حياته. بل يرافقه في تطوير وعيه بحياته، واكتشاف قيمه، وتقييم خياراته. وبذلك يتم دعم المستشير في إدراكه لموارده الخاصة والتعامل مع مسؤولياته في الحياة بطريقة أكثر وعيًا.

تساهم العلاقة العلاجية القوية في:

  • إقامة تواصل صريح،
  • تنمية الشعور بالثقة،
  • توضيح أهداف العلاج،
  • ودعم الدافع للتغيير،
  • وزيادة المشاركة المنتظمة في عملية العلاج

. ولهذا السبب، يُعتبر التعاون بين المعالج والمستشير أحد الركائز الأساسية للعلاج الوجودي.

نهج العلاج الوجودي في NPİSTANBUL

يمكن اعتبار العلاج الوجودي في NPİSTANBUL جزءًا من خطة العلاج الشخصية التي يتم وضعها للأفراد الذين يُعتبرون مناسبين بعد إجراء التقييم النفسي. عند إعداد خطة العلاج، لا يتم النظر فقط إلى سبب التقدم للعلاج؛ بل يتم تناول سيرة حياة الفرد وأعراضه النفسية الحالية ومستوى أدائه الوظيفي وتوقعاته واحتياجاته بشكل شامل. ويمكن عند الضرورة التخطيط بالتزامن مع مناهج علاج نفسي مختلفة أو خيارات العلاج الطبي.

الهدف من عملية العلاج ليس فقط تقييم الصعوبات التي يواجهها الفرد، بل أيضًا وضع نهج شامل يدعم نقاط قوته وأهدافه الحياتية ومرونته النفسية. وبفضل التقييمات السريرية المنتظمة، يتم مراجعة مسار العلاج وتحديثه وفقًا للاحتياجات.

التقييم بالتعاون بين الطب النفسي وعلم النفس

يعمل أخصائيو الطب النفسي والأخصائيون النفسيون السريريون بالتعاون معًا في تخطيط مسار العلاج الوجودي. في الحالات التي تقتضي ذلك، يتم تقييم الأعراض النفسية والأمراض النفسية المصاحبة والأداء الوظيفي العام للفرد بشكل مشترك. وبذلك، يُهدف إلى وضع خطة علاجية مخصصة للفرد، تستند إلى أسس علمية وتتوافق مع المبادئ الأخلاقية.

مشاركة
دعنا نتصل بك
Phone
اتصل الآن