
الاضطراب الوسواسي القهري (OKB) هو اضطراب في الصحة النفسية يتميز بأفكار أو دوافع أو صور تراود عقل الشخص مرارًا وتكرارًا رغماً عنه، وتسبب له القلق والانزعاج، بالإضافة إلى السلوكيات المتكررة أو الأفعال الذهنية التي يقوم بها الشخص بهدف التخفيف من المعاناة الناتجة عن هذه الأفكار.
في اضطراب الوسواس القهري (OKB)، تُسمى الأفكار المتكررة التي يصعب السيطرة عليها «الوسواس»، أما السلوكيات أو الطقوس العقلية التي يتم القيام بها بهدف تقليل القلق الناجم عن هذه الأفكار أو منع حدوث الموقف المخيف، فتُسمى «القهر».
على سبيل المثال، قد يعاني الرجل من خوف شديد من التلوث بسبب اعتقاده بأن يديه مغطاة بالجراثيم، وقد يغسل يديه مرارًا وتكرارًا لتخفيف القلق الناجم عن هذه الفكرة. وقد يتكرر أن يقوم رجل آخر بفحص الباب مرارًا وتكرارًا، على الرغم من علمه بأنه قد أغلقه، لأنه لا يستطيع التخلص من فكرة «ماذا لو لم أغلقه؟».
في اضطراب الوسواس القهري، قد يدرك الشخص في أغلب الأحيان أن أفكاره أو سلوكياته مفرطة. لكن هذا الإدراك لا يكفي دائمًا لوقف الأفكار الوسواسية أو التخلي عن السلوكيات القهرية. قد يؤدي محاولة قمع الفكرة أو القيام بالسلوك القهري إلى راحة مؤقتة؛ لكن هذه الراحة قد تؤدي بمرور الوقت إلى تعزيز دورة الوسواس-القهر.
لا تعني الاضطرابات الوسواسية القهرية مجرد «كون المرء شديد الدقة» أو «حب النظام» أو «التركيز المفرط على موضوع ما». فقد تصل أعراض الاضطرابات الوسواسية القهرية إلى مستوى يؤثر على حياة الشخص اليومية، وتعليمه، وحياته المهنية، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية.
ما هي الهواجس؟
الهوس هو الأفكار أو الصور أو الدوافع المتكررة والمزعجة التي تدخل إلى عقل الشخص رغماً عنه. لا يرغب الشخص في هذه الأفكار، ويدرك في أغلب الأحيان أنها لا تتوافق مع قيمه أو شخصيته أو نواياه الحقيقية.
ومن أمثلة الهواجس: «ماذا لو ألحقت الأذى بطفلي؟»، «هل من الممكن أن تكون يداي مصابتين بالجراثيم؟»، «هل أغلقت الباب حقًا؟»، «هل فكرت في شيء خاطئ أو يمكن اعتباره خطيئة؟».
تتمثل إحدى السمات المهمة للهواجس في أن الأمر لا يتعلق بمحتوى الفكرة بقدر ما يتعلق بالمعنى الذي يضفيه الشخص على هذه الفكرة، والضيق الشديد الذي يشعر به تجاهها.
إن مرور فكرة ما عبر الذهن لا يعني أن الرجل يرغب في تنفيذها. ومن الممكن أن يشعر الرجل بذنب وخجل شديدين بسبب أفكاره، خاصة في حالات الهواجس المتعلقة بالإيذاء أو ذات المحتوى الجنسي أو الديني.
يمكن أن تظهر الهواجس في المجالات التالية:
- الخوف من التلوث والإصابة بالجراثيم
- الخوف من إيذاء شخص ما
- الخوف من ارتكاب الأخطاء أو تحميل المسؤولية
- الشكوك بشأن احتمال بقاء الباب أو الموقد أو الأجهزة الكهربائية مفتوحة
- الحاجة إلى التناسق والنظام
- شكوك شديدة بشأن القضايا الدينية أو الأخلاقية
- أفكار جنسية غير مرغوب فيها
- الخوف من الإصابة بالمرض أو نقله للآخرين
- فكرة عدم القدرة على القيام بسلوك ما «بالشكل الصحيح تمامًا»
قد تستمر الهواجس في شغل ذهن الشخص لفترة طويلة، مما يؤثر سلبًا على الانتباه والتركيز والنوم والأداء اليومي.
ما هي السلوكيات القهرية؟
السلوك القهري هو سلوك متكرر أو فعل ذهني يشعر الرجل بأنه مضطر للقيام به بهدف تخفيف القلق الناجم عن الأفكار المهووسة أو منع حدوث حدث يخشاه.
يُعد غسل اليدين والتحقق من الأشياء وترتيبها أمثلة على السلوكيات القهرية المرئية. ومع ذلك، لا يمكن دائمًا ملاحظة السلوكيات القهرية من الخارج. قد يكون تكرار كلمات معينة في الذهن، أو الصلاة، أو عد الأرقام، أو إعادة استعراض حدث ماضي في الذهن مرارًا وتكرارًا، أو محاولة تحييد فكرة «سيئة» بفكرة «جيدة»، من أشكال السلوك القهري الذهني.
قد يشعر الشخص براحة مؤقتة عند القيام بالسلوك القهري. لكن هذه الراحة غالبًا ما تكون مؤقتة. بعد فترة، تظهر نفس الهواجس مرة أخرى ويشعر الشخص بأنه مضطر إلى إعادة القيام بالطقوس.
وبالتالي:
الهوس → القلق → السلوك القهري → الراحة المؤقتة → عودة الهوس
قد تتشكل حلقة من هذا القبيل.
ما الفرق بين الهوس والوسواس واضطراب الوسواس القهري؟
تُستخدم كلمتا «الهوس» و«الوسواس» في اللغة اليومية بمعانٍ واسعة جدًا. إن تفكير الشخص لفترة طويلة في حدث ما، أو قلقه بشأن موضوع ما، أو اهتمامه بنظام معين، لا يعني في حد ذاته الإصابة باضطراب الوسواس القهري.
قد تراود أذهان الجميع من حين لآخر أفكار غير مرغوب فيها. قد يمر الناس بأفكار مثل «هل أغلقت الباب؟» أو «هل قلت شيئًا خاطئًا؟» أو «ماذا لو حدث شيء سيئ؟».
أما في اضطراب الوسواس القهري، فإن الأفكار عادةً ما تكون:
- متكررة،
- تظهر رغماً عن الشخص،
- تسبب قلقًا أو انزعاجًا واضحًا،
- يصعب التحكم فيها أو إبعادها عن الذهن،
- قد تؤدي إلى سلوكيات قهرية أو سلوكيات تجنب،
- قد يؤدي إلى إهدار كبير للوقت في الحياة اليومية،
- قد يؤثر على العمل أو الدراسة أو الحياة الاجتماعية أو العلاقات.
يمكن استخدام مصطلح «الوسواس» في الاستخدام اليومي والثقافي لوصف الأفكار المشكوك فيها أو المزعجة التي تخطر ببال الشخص. لكن من الناحية الطبية، لا يعتبر «الوسواس» و«الاضطراب الوسواسي القهري» مفهومين متطابقين.
وبالمثل، فإن كون الشخص منظمًا أو دقيقًا أو متسلطًا لا يعني بحد ذاته تشخيصه باضطراب الوسواس القهري. ففي التشخيص، يتم تقييم تواتر الأفكار والسلوكيات، والضيق الذي تسببه، والوقت المستغرق، وتأثيرها على أداء الشخص بشكل متكامل.
ما هي أعراض اضطراب الوسواس القهري؟
قد تختلف أعراض اضطراب الوسواس القهري من شخص لآخر. ففي حين تبرز الأفكار الوسواسية لدى بعض الأشخاص، قد تكون السلوكيات القهرية أكثر وضوحًا لدى آخرين.
كما يمكن أن تظهر أفكار مهووسة وسلوكيات قهرية مختلفة لدى الشخص نفسه في فترات مختلفة.
تُصنف أعراض اضطراب الوسواس القهري عمومًا إلى مجموعتين رئيسيتين: أعراض الأفكار القهرية وأعراض السلوكيات القهرية.
ما هي أعراض الأفكار القهرية؟
من بين أعراض الهواجس الشائعة الخوف من التلوث أو الإصابة بالجراثيم، والخوف من ارتكاب الأخطاء، وفكرة إيذاء شخص ما نتيجة فقدان السيطرة، والخوف من القيام بسلوك غير لائق اجتماعيًا، والقلق من وجود أفكار خاطئة من الناحية الدينية أو الأخلاقية، والأفكار غير المرغوب فيها ذات المحتوى الجنسي، والشك المفرط، والحاجة إلى التناسق والنظام.
قد لا يتمكن الشخص من التخلص من هذه الأفكار بسبب أسئلة مثل «ماذا لو كانت حقيقية؟» أو «ماذا لو فعلت هذا حقًا؟» أو «هل يمكنني أن أكون متأكدًا بنسبة مائة بالمائة؟»، حتى لو كان يعلم أن هذه الأفكار غير منطقية.
قد يكون البحث المستمر عن التأكيد أحد الأعراض المهمة لاضطراب الوسواس القهري. فقد يوجه الشخص أسئلة متكررة إلى المقربين منه مثل: «هل أنت متأكد؟»، «أنا لست شخصًا سيئًا، أليس كذلك؟»، «هل رأيت أنني أغلقت الباب؟».
ما هي أعراض السلوك القهري؟
من بين أعراض السلوك القهري:
- غسل اليدين مرارًا وتكرارًا،
- الاستحمام لفترات طويلة،
- تنظيف الأغراض أو تعقيمها باستمرار،
- التحقق مرارًا وتكرارًا من الأبواب والنوافذ والموقد أو الأجهزة الكهربائية،
- تكرار حركات معينة عددًا محددًا من المرات،
- ترتيب الأغراض وفقًا لنظام معين،
- عد الخطوات أو الأشياء،
- تكرار كلمات أو أدعية معينة،
- الطلب المستمر للتأكيد،
- إعادة استعراض محادثة أو حدث ما في الذهن مرارًا وتكرارًا،
- ممارسة طقوس ذهنية لتحييد «الأفكار السيئة»
قد تظهر.
وقد يؤدي شعور الشخص بقلق شديد في حالة عدم القيام بالسلوك القهري، أو اعتقاده بأن حدثًا سيئًا سيحدث، إلى تعزيز دورة اضطراب الوسواس القهري.
ما هي أنواع اضطراب الوسواس القهري؟
يمكن أن تظهر أعراض اضطراب الوسواس القهري بمحتويات متنوعة للغاية. فبدلاً من وجود «أنواع من اضطراب الوسواس القهري» محددة بحدود واضحة في التقييم السريري، يُشار إلى موضوعات الوسواس والسلوك القهري السائدة لدى الشخص.
قد توجد أكثر من موضوع واحد لدى الشخص في الوقت نفسه، وقد يتغير محتوى الأعراض بمرور الوقت.
الهوس بالعدوى والسلوك القهري المتعلق بالنظافة
في الهوس بالعدوى، قد يشعر الشخص بقلق شديد من ملامسة الجراثيم أو الفيروسات أو الأمراض أو سوائل الجسم أو المواد الكيميائية أو الأشخاص والأشياء التي يعتقد أنها «قذرة».
وعقب هذا القلق، قد تظهر سلوكيات مثل غسل اليدين بشكل مفرط، أو الاستحمام لفترات طويلة، أو تغيير الملابس مرارًا وتكرارًا، أو تنظيف الأسطح باستمرار، أو تجنب لمس أشياء معينة.
وعلى عكس سلوكيات النظافة العادية، قد يؤدي سلوك التنظيف هذا إلى إهدار كبير للوقت وفقدان القدرة على أداء المهام اليومية في حياة الشخص. كما قد يؤدي غسل اليدين المفرط إلى حدوث تهيج أو تقرحات في الجلد.
الهوس بالشك والوسواس بالتحكم
في حالة الهوس بالشك، قد يشعر الشخص بالشك مرارًا وتكرارًا بشأن عمل قام به.
قد تظهر أفكار مثل «هل أغلقت الباب؟»، «هل تركت الموقد مفتوحًا؟»، «هل أغلقت الكهرباء؟»، «هل صدمت شخصًا أثناء قيادة السيارة؟» بشكل متكرر.
ورغم أن الرجل يعرف الإجابة، إلا أنه يرغب في التأكد بنسبة مائة بالمائة، وقد يتحقق مرارًا وتكرارًا من الباب أو الموقد أو الأشياء الأخرى.
ورغم أن سلوك التحقق يمنحه شعوراً بالأمان لفترة قصيرة، إلا أنه قد يقلل بمرور الوقت من ثقته في ذاكرته وإدراكه.
هوس التناسق والنظام
في حالة الهوس بالتناسق والنظام، قد يشعر الشخص بضرورة أن تكون الأشياء في ترتيب أو نظام أو تناسق معين.
وحتى تغيير مكان أحد الأشياء ببضعة سنتيمترات قد يؤدي إلى انزعاج شديد. وقد يقوم الشخص بترتيب الأشياء مرارًا وتكرارًا أو يعيد القيام بعمله لأنه «لا يشعر أنه صحيح تمامًا».
النقطة المهمة هنا ليست حب النظام بحد ذاته، بل القلق الشديد الذي يظهر عند عدم تحقيق النظام، وشعور الشخص بأنه مضطر لتكرار سلوكه.
الهواجس ذات المحتوى الديني
تُسمى الهواجس ذات المحتوى الديني أحيانًا «الهواجس الدينية» أو «الوسوسة».
قد تراود الشخص أفكار تتعارض مع معتقداته وقيمه دون إرادته. قد يعتقد الشخص أنه ارتكب خطيئة، أو أنه أخطأ في أداء عبادته، أو أن الفكرة التي تخطر بباله تجعله شخصًا سيئًا من الناحية الأخلاقية.
ونتيجة لذلك، قد يُلاحظ تكرار الصلوات، أو إعادة أداء العبادات، أو البحث المستمر عن الطمأنينة في الأمور الدينية، أو تطوير طقوس ذهنية.
وجود الأفكار الدينية غير المرغوب فيها لا يدل على إيمان الشخص أو نيته الحقيقية.
الهواجس ذات المحتوى الجنسي
قد تظهر الهواجس الجنسية في شكل أفكار أو صور أو دوافع جنسية غير مرغوب فيها وتسبب إزعاجًا له.
قد يشعر الرجل بخجل شديد وشعور بالذنب بسبب ظهور هذه الأفكار، وقد يطرح أسئلة مثل: «بما أن هذه الفكرة خطر ببالي، فهل يمكن أن أكون راغبًا في ذلك؟».
يجب أن يُعرف أن الهواجس الجنسية غير المرغوب فيها في اضطراب الوسواس القهري لا تعبر عن الرغبة أو النية أو السلوك الحقيقي للشخص.
الوسواس بالعد
في حالة الإكراه على العد، قد يشعر الرجل بأنه مضطر إلى عد خطواته أو الأشياء أو الكلمات أو السلوكيات التي يقوم بها بأعداد محددة.
قد يشعر بعض الأشخاص بشعور قوي بأن أرقامًا معينة «آمنة»، في حين أن أرقامًا أخرى «خطيرة».
وقد يعيد الشخص القيام بهذا الفعل إذا لم يصل إلى العدد الذي يريده.
الوسواس باللمس
في حالة الإكراه على اللمس، قد يشعر الشخص بالحاجة إلى لمس شيء أو سطح معين عددًا محددًا من المرات، أو إلى تحقيق التوازن بين الجانبين.
على سبيل المثال، عندما يلمس مكانًا ما بيده اليمنى، قد يعتقد أنه يجب عليه أن يلمسه بيده اليسرى أيضًا.
وإذا لم يتم تنفيذ هذا السلوك، فقد يشعر الشخص بـ«نقص» أو بقلق شديد.
سلوكيات التجميع والتخزين
في بعض حالات اضطراب الوسواس القهري، قد يشعر الرجل بقلق شديد تجاه التخلص من أشياء معينة. وقد تصاحب سلوك التجميع أفكار مثل «قد أحتاجها في المستقبل»، أو «قد يحدث شيء سيئ إذا تخلصت منها»، أو «قد أتخلص من شيء مهم عن طريق الخطأ».
ومع ذلك، لا يُصنف كل سلوك تجميع على أنه اضطراب الوسواس القهري. ففي التصنيفات النفسية الحالية، يُعتبر اضطراب التجميع اضطرابًا مرتبطًا بالوسواس القهري، لكنه يُقيَّم بشكل منفصل. ولذلك، من المهم أن يخضع الشخص الذي يظهر عليه سلوك تجميع واضح لتقييم مفصل من قبل أخصائي.
ما أسباب اضطراب الوسواس القهري؟
لا يوجد سبب واحد للاضطراب الوسواسي القهري. يُعتقد أن الاستعداد الوراثي، وبعض الخصائص الوظيفية للدماغ، وعمليات التعلم، والخصائص النفسية، والعوامل البيئية تلعب جميعها دورًا مشتركًا في تطور الاضطراب الوسواسي القهري.
ولا يعني وجود عامل خطر معين لدى شخص ما بالضرورة أنه سيصاب باضطراب الوسواس القهري.
العوامل الوراثية
إن تكرار ظهور اضطراب الوسواس القهري في العائلات يشير إلى أن الاستعداد الوراثي قد يلعب دورًا في تطور المرض.
قد يكون خطر الإصابة أعلى من المتوسط العام في المجتمع، خاصةً لدى الأشخاص الذين لديهم أقارب من الدرجة الأولى مصابون باضطراب الوسواس القهري.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير اضطراب الوسواس القهري بالجينات وحدها. بل يجب تقييم الاستعداد الوراثي جنبًا إلى جنب مع العوامل البيئية والنفسية.
وظائف الدماغ والعوامل البيولوجية
تبحث الدراسات التي أجريت حول اضطراب الوسواس القهري في دور بعض دوائر الدماغ المرتبطة باتخاذ القرار، وإدراك الأخطاء، والتحكم في السلوك، والعادات.
على الرغم من أن الاضطراب الوسواسي القهري (OKB) كان يُفسر في السابق أحيانًا بـ«نقص السيروتونين» فقط، إلا أنه من المقبول اليوم أن هذا المرض معقد للغاية بحيث لا يمكن تفسيره بنموذج يعتمد على ناقل عصبي واحد أو خلل كيميائي بسيط.
يُعتقد أن السمات الوراثية ودوائر الدماغ وأنظمة الناقلات العصبية والسلوكيات المكتسبة قد تؤثر جميعها معًا.
العوامل البيئية والنفسية
قد تؤثر بعض أنماط التعلم، وأساليب التعامل مع القلق، وصعوبة تحمل عدم اليقين، والشعور المفرط بالمسؤولية، أو إعطاء معنى مفرط للأفكار، على استمرار أعراض اضطراب الوسواس القهري.
على سبيل المثال، إذا كان الشخص يفسر الأمر على أنه «إن مجرد التفكير في شيء ما يعني أنني قادر على تحقيقه»، فقد يزداد خوفه من الأفكار غير المرغوب فيها.
ورغم أن محاولة قمع الأفكار أو السعي المستمر للحصول على الطمأنينة أو التهرب من المواقف قد يقلل من القلق على المدى القصير، إلا أنه قد يؤدي إلى استمرار دورة اضطراب الوسواس القهري على المدى الطويل.
الإجهاد وأحداث الحياة
لا تُعتبر فترات التوتر الشديد سببًا وحيدًا للاضطراب الوسواسي القهري؛ لكنها قد تصاحب ظهور الأعراض أو تفاقم الأعراض الموجودة.
قد يكون تغيير الوظيفة، وفترة الامتحانات، ومشاكل العلاقات، والولادة، والمرض، والفقدان، والانتقال، وغيرها من أحداث الحياة المهمة مرتبطة بزيادة الأعراض لدى بعض الأشخاص.
من يصاب باضطراب الوسواس القهري؟
يمكن أن يظهر اضطراب الوسواس القهري لدى الأطفال والمراهقين والبالغين. ويمكن أن يظهر لدى الرجال.
قد تختلف شكل الأعراض باختلاف العمر. قد تظهر لدى الأطفال أعراض مثل إشراك أفراد الأسرة في الطقوس أو إجبارهم على تكرار سلوكيات معينة.
قد يصاحب اضطراب الوسواس القهري الاكتئاب، واضطرابات القلق الأخرى، واضطرابات التلعثم، وبعض الحالات النفسية الأخرى. ولذلك، لا يقتصر التقييم على الهواجس والسلوكيات القهرية فقط.
في أي أعمار يبدأ اضطراب الوسواس القهري؟
غالبًا ما يظهر اضطراب الوسواس القهري في مرحلة الطفولة أو المراهقة أو مرحلة الشباب؛ ولكنه قد يبدأ في أي مرحلة من مراحل الحياة.
يذكر بعض الأشخاص أن أعراضهم كانت موجودة منذ سنوات الطفولة، لكنهم لم يدركوا أنهم مصابون باضطراب الوسواس القهري إلا بعد مرور سنوات.
يمكن أن يساعد اكتشاف الأعراض المبكرة وإجراء التقييم المناسب في الحد من فقدان الأداء الوظيفي الذي قد يحدث في الحياة المدرسية والعملية والاجتماعية للشخص.
ما مدى شيوع اضطراب الوسواس القهري؟
الاضطراب الوسواسي القهري ليس حالة نادرة. قد تختلف النسب حسب طريقة البحث المستخدمة والمجتمع قيد الدراسة. وفقًا لبيانات المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) المتعلقة بالبالغين في الولايات المتحدة، تم الإبلاغ عن معدل انتشار الاضطراب الوسواسي القهري على مدى الحياة بنحو 2,3٪. وقد تختلف النسب في الدراسات الدولية المختلفة حسب المجتمع وطريقة البحث.
لذلك، بدلاً من القول إن عددًا ثابتًا معينًا من كل مائة شخص في المجتمع سيصابون حتمًا باضطراب الوسواس القهري، من الأصح الإشارة إلى أن اضطراب الوسواس القهري هو مشكلة صحية نفسية تظهر بوتيرة ملحوظة في المجتمع وقد تتطلب دعمًا متخصصًا.
هل كل فكرة هوسية تُعد اضطرابًا قهريًّا؟
لا. قد يمر كل شخص من وقت لآخر بأفكار غير مرغوب فيها أو مزعجة.
كما أن تكرار الفكرة بحد ذاته لا يكفي لتشخيص اضطراب الوسواس القهري.
ما يهم في اضطراب الوسواس القهري هو:
- تواترها،
- شدتها،
- صعوبة التحكم فيها،
- القلق الذي تسببه،
- ما إذا كانت تؤدي إلى سلوكيات قهرية أم لا،
- كم من الوقت تستغرق في الحياة اليومية،
- ومدى تأثيره على الأداء الوظيفي والمدرسي والاجتماعي.
على سبيل المثال، العودة إلى المنزل مرة واحدة بعد الخروج منه للتأكد من «هل أغلقت الباب؟» لا تعتبر بحد ذاتها اضطرابًا قهريًّا. لكن إذا كان الشخص يتحقق من الباب عشرات المرات يوميًا، ويستغرق وقتًا طويلاً في الخروج من المنزل، ويتأخر عن العمل بسبب ذلك، فقد يكون من الضروري إجراء تقييم متخصص.
كيف يتم تشخيص اضطراب الوسواس القهري؟
يتم تشخيص اضطراب الوسواس القهري نتيجة تقييم سريري يجريه أخصائي في الطب النفسي.
أثناء التشخيص، يتم تقييم هواجس الشخص، وأفعاله القهرية، ومدة استمرار الأعراض، والوقت الذي تستغرقه في الحياة اليومية، والضيق الذي تسببه، وفقدان القدرة على الأداء.
كما يمكن التحقق من وجود حالات نفسية أو طبية أخرى قد تسبب أعراضًا مشابهة.
قد تتناول عملية التقييم المواضيع التالية:
- محتوى الأفكار القهريّة
- نوع الأفعال القهرية
- المدة اليومية للأعراض
- سلوكيات التجنب
- ما إذا كان أفراد الأسرة يشاركون في الطقوس أم لا
- تأثيرها على الحياة العملية أو الدراسية
- تأثيرها على العلاقات الاجتماعية
- أعراض الاكتئاب وأعراض القلق الأخرى
- الأدوية المستخدمة
- تعاطي المخدرات
- الحالات النفسية أو الطبية الأخرى المصاحبة
لا يوجد فحص دم أو تصوير بالرنين المغناطيسي أو أي فحص مخبري آخر يمكنه بمفرده تشخيص اضطراب الوسواس القهري. وقد يُطلب إجراء فحوصات إضافية لتقييم حالات أخرى إذا لزم الأمر.
كيف يتم إجراء اختبار اضطراب الوسواس القهري؟
في تقييم اضطراب الوسواس القهري، يمكن لأخصائيي الطب النفسي والأخصائيين النفسيين السريريين الاستعانة بمقاييس سريرية متنوعة لتقييم طبيعة الأعراض وشدتها.
في هذه المقاييس، يمكن الاستفسار عن المدة التي تستغرقها الهواجس والسلوكيات القهرية، ومدى قدرة الشخص على مقاومة الأعراض، ومستوى المعاناة التي يواجهها، وتأثير الأعراض على الحياة اليومية.
يُعد مقياس ييل-براون للهوس والوسواس (Y-BOCS) أحد المقاييس المعروفة دوليًا في تقييم اضطراب الوسواس القهري. ومع ذلك، فإن هذا المقياس والمقاييس المماثلة هي أدوات مساعدة في التقييم السريري.
ولا تعني الدرجات العالية التي يتم الحصول عليها من اختبارات التقييم الذاتي المتوفرة على الإنترنت، مثل «اختبار اضطراب الوسواس القهري» أو «اختبار الهواجس»، أن الشخص مصاب بالتأكيد باضطراب الوسواس القهري.
وبالمثل، فإن الحصول على درجات منخفضة في الاختبار لا يثبت بحد ذاته عدم وجود اضطراب الوسواس القهري.
يتم إجراء التقييم النهائي من خلال دراسة الأعراض التي يعاني منها الشخص بشكل مفصل من قبل أخصائي.
كيف يتم علاج اضطراب الوسواس القهري؟
لا يقتصر الهدف من علاج اضطراب الوسواس القهري على تخفيف قلق الشخص مؤقتًا فحسب، بل يهدف أيضًا إلى كسر حلقة الوسواس والقهري، وبالتالي تحسين الأداء اليومي للشخص وجودة حياته.
يتم تخطيط العلاج وفقًا لعمر الشخص، وشدة الأعراض، والحالات النفسية المصاحبة، والعلاجات السابقة، والاحتياجات الفردية.
يعد العلاج النفسي والعلاج الدوائي من بين الخيارات الأساسية في علاج اضطراب الوسواس القهري. وتعد «التعرض ومنع الاستجابة» (ERP)، التي تندرج ضمن العلاج السلوكي المعرفي، إحدى المناهج التي تتمتع بأدلة علمية مهمة في علاج اضطراب الوسواس القهري. وفي حالات فقدان الوظائف المتوسطة أو الشديدة، يمكن تقييم العلاج النفسي والعلاج الدوائي معًا.
العلاج المعرفي السلوكي
العلاج المعرفي السلوكي (BDT) هو نهج علاجي نفسي منظم يساعد الشخص على فهم علاقته بالهواج والقلق المصاحب لها.
خلال العلاج، يمكن للشخص أن يتعلم أن وجود الأفكار غير المرغوب فيها لا يعني بحد ذاته وجود خطر، وأن بعض الأساليب المستخدمة للتحكم في الأفكار أو قمعها قد تؤدي إلى استمرار المشكلة.
يمكن معالجة أنماط التفكير مثل «إذا فكرت في ذلك، فهذا يعني أنني قادر على فعله»، أو «يجب أن أكون متأكدًا بنسبة مائة بالمائة»، أو «من مسؤوليتي منع وقوع كارثة» في إطار العلاج.
العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة (ERP)
يُعد العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة (ERP) أحد أساليب العلاج السلوكي المعرفي التي تم تطويرها لعلاج اضطراب الوسواس القهري.
في العلاج، يحدد الشخص مع المعالج المواقف التي تثير القلق لديه. ثم يُهدف إلى أن يواجه هذه المواقف ضمن خطة مناسبة، ويختبر أن القلق قد يتضاءل بمرور الوقت دون القيام بالسلوك القهري الذي يمارسه عادةً.
على سبيل المثال، بالنسبة لشخص يعاني من هوس التلوث، قد يتضمن العلاج، وفقًا للخطة التي يحددها المعالج، تعلم عدم القيام بسلوك الغسل فورًا بعد ملامسة سطح يُخشى منه ولكنه آمن من الناحية الواقعية.
لا تعني العلاج السلوكي المعرّض (ERP) تعريض الشخص لمصدر خوفه الأكبر بشكل غير متحكم فيه. بل يتم تنفيذ العلاج بشكل تدريجي وفقًا لحالة المريض السريرية، ومدى استعداده، والخطة العلاجية.
توجد أدلة سريرية قوية على فعالية العلاج السلوكي المعرفي (ERP) في الحد من السلوكيات القهرية.
العلاج الدوائي
يمكن استخدام بعض الأدوية المضادة للاكتئاب التي تؤثر بشكل خاص على نظام السيروتونين في علاج اضطراب الوسواس القهري. يجب أن يحدد أخصائي الطب النفسي اختيار الدواء والجرعة ومدة الاستخدام وفقًا للحالة السريرية للشخص.
قد يستغرق ظهور تأثير الأدوية في اضطراب الوسواس القهري وقتًا أطول مقارنة ببعض الحالات النفسية الأخرى. من المهم عدم التسرع في استنتاج أن الدواء غير فعال، وأن تتم تغييرات الجرعة تحت إشراف الطبيب.
لا ينبغي بدء تناول الأدوية النفسية أو تغيير جرعتها أو التوقف عنها فجأة دون استشارة الطبيب.
في الحالات التي لا يتم الحصول فيها على استجابة كافية للعلاج، يمكن لأخصائي الطب النفسي إعادة تقييم التشخيص والحالات المصاحبة والأدوية المستخدمة والجرعات وعملية العلاج النفسي.
كم تستغرق مدة علاج اضطراب الوسواس القهري؟
مدة علاج اضطراب الوسواس القهري (OKB) تختلف من شخص لآخر.
قد تؤثر العديد من العوامل على مدة العلاج، مثل شدة الأعراض، ومدة استمرار اضطراب الوسواس القهري، والحالات النفسية المصاحبة، والالتزام المنتظم بالجلسات العلاجية، واستجابة المريض للعلاج.
في حين قد تتراجع الأعراض بشكل ملحوظ لدى بعض الأشخاص في غضون بضعة أشهر، قد تكون هناك حالات تتطلب علاجًا ومتابعة لفترة أطول.
وفي العلاج الدوائي أيضًا، قد لا يكون من المناسب التوقف عن تناول الدواء فور تحسن الأعراض. ويقرر أخصائي الطب النفسي مدة استمرار العلاج بعد تقييم تاريخ المرض لدى الشخص ومخاطر تكرار الإصابة.
ماذا يحدث إذا لم يتم علاج اضطراب الوسواس القهري؟
قد تستمر أعراض اضطراب الوسواس القهري لفترة طويلة لدى بعض الأشخاص أو قد تتفاقم من وقت لآخر إذا لم يتم علاجها.
قد تستحوذ السلوكيات القهرية على جزء متزايد من الحياة اليومية للشخص بمرور الوقت.
على سبيل المثال، قد تستغرق السلوكيات التحكمية التي كانت تستغرق بضع دقائق في البداية ساعات مع مرور الوقت. قد يبدأ الشخص في عدم الخروج من المنزل لتجنب المواقف التي يخشاها، أو عدم مقابلة أشخاص معينين، أو تأجيل مسؤولياته اليومية.
قد يؤدي اضطراب الوسواس القهري غير المعالج أو الشديد إلى:
- إلى تعطيل الحياة التعليمية والمهنية،
- والعزلة الاجتماعية،
- إلى مشاكل في العلاقات الأسرية،
- مشاكل في النوم،
- انخفاض جودة الحياة،
- ظهور أعراض الاكتئاب،
- وصعوبة إنجاز المهام اليومية
.
من المهم الحصول على الدعم المهني عندما تبدأ الأعراض في التأثير بشكل ملحوظ على الحياة اليومية.
كيف يجب التعامل مع شخص يعاني من اضطراب الوسواس القهري؟
الاضطراب الوسواسي القهري ليس مجرد سلوك «يضعه الشخص في رأسه» أو يمكنه التخلي عنه بسهولة إذا أراد. ولذلك، فإن عبارات مثل «لا تفكر في ذلك»، «لا تهتم بالأمر»، «أنت تتحدث هراء» أو «توقف عن فعل ذلك فحسب» قد لا تكون مفيدة.
من المهم أن يتحلى الأقارب بموقف متفهم وغير انتقادي.
ومع ذلك، فإن تقديم الدعم لا يعني المشاركة المستمرة في السلوكيات القهرية.
على سبيل المثال، إذا كان يسأل «هل أغلقت الباب حقًا؟» عشرات المرات، فإن طمأنته في كل مرة قد تريحه على المدى القصير؛ لكن على المدى الطويل، قد يعزز ذلك من سلوكه القهري المتمثل في البحث عن الطمأنينة.
يمكن لأفراد الأسرة، عند الحاجة، الحصول على معلومات من فريق العلاج حول كيفية المساهمة في سلوكياته القهرية دون قصد.
من المهم تشجيع الشخص على الحصول على الدعم المهني، ودعم عملية العلاج، والاعتراف بأن التعافي قد يستغرق وقتًا.








